فخر الدين الرازي

310

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

محال ، فوجب في حكمة اللّه تعالى إبقاؤه في دار الدنيا إلى حيث يصل إليه تلك الخيرات ، فكان ذلك كالبشارة له والوعد بأنهم لا يقتلونه ولا يقهرونه ، ولا يصل إليه مكرهم بل يصير أمره كل يوم في الازدياد والقوة وثالثها : أنه عليه السلام لما كفروا وزيف أديانهم ودعاهم إلى الإيمان اجتمعوا عنده وقالوا : إن كنت تفعل هذا طلبا للمال فنعطيك من المال ما تصير به أغنى الناس ، وإن كان مطلوبك الزوجة نزوجك أكرم نسائنا ، وإن كان مطلوبك الرياسة فنحن نجعلك رئيسا على أنفسنا ، فقال اللّه تعالى : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ أي لما أعطاك خالق السماوات والأرض خيرات الدنيا والآخرة ، فلا تغتر بمالهم ومراعاتهم ورابعها : أن قوله تعالى : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ يفيد أن اللّه تعالى تكلم معه لا بواسطة ، فهذا يقوم مقام قوله : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [ النساء : 164 ] بل هذا أشرف لأن المولى إذا شافه عبده بالتزام التربية والإحسان كان ذلك أعلى مما إذا شافهه في غير هذا المعنى ، بل يفيده قوة في القلب ويزيل الجبن عن النفس ، فثبت أن مخاطبة اللّه إياه بقوله : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ مما يزيل الخوف عن القلب والجبن عن النفس ، فقدم هذه السورة على سورة : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ حتى يمكنه الاشتغال بذلك التكليف الشاق والإقدام على تكفير جميع العالم ، وإظهار البراءة عن معبودهم فلما امتثلت أمري ، فانظر كيف أنجزت لك الوعد ، وأعطيتك كثرة الأتباع والأشياع ، إن أهل الدنيا يدخلون في دين اللّه أفواجا ، ثم إنه لما تم أمر الدعوة وإظهار الشريعة ، شرع في بيان ما يتعلق بأحوال القلب والباطن ، وذلك لأن الطالب إما أن يكون طلبه مقصورا على الدنيا ، أو يكون طالبا للآخرة ، أما طالب الدنيا فليس له إلا الخسار والذل والهوان ، ثم يكون مصيره إلى النار ، وهو المراد من سورة تبت ، وأما طالب الآخرة فأعظم أحواله أن تصير نفسه كالمرآة التي تنتقش فيها صور الموجودات ، وقد ثبت في العلوم العقلية أن طريق الخلق في معرفة الصانع على وجهين : منهم من عرف الصانع ، ثم توسل بمعرفته إلى معرفة مخلوقاته ، وهذا هو الطريق الأشرف الأعلى ، ومنهم من عكس وهو طريق الجمهور . ثم إنه سبحانه ختم كتابه الكريم بتلك الطريق التي هي أشرف الطريقين ، فبدأ بذكر صفات / اللّه وشرح جلاله ، وهو سورة : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثم أتبعه بذكر مراتب مخلوقاته في سورة : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ثم ختم بذكر مراتب النفس الإنسانية ، وعند ذلك ختم الكتاب ، وهذه الجملة إنما يتضح تفصيلها عند تفسير هذه السورة على التفصيل ، فسبحان من أرشد العقول إلى معرفة هذه الأسرار الشريفة المودعة في كتابه الكريم . الفائدة الثانية : في قوله : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ هي أن كلمة : إِنَّا تارة يراد بها الجمع وتارة يراد بها التعظيم . أما الأول : فقد دل الدليل على أن الإله واحد ، فلا يمكن حمله على الجمع ، إلا إذا أريد أن هذه العطية مما سعى في تحصيلها الملائكة وجبريل وميكائيل والأنبياء المتقدمون ، حين سأل إبراهيم إرسالك ، فقال : رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [ البقرة : 129 ] وقال موسى : رب اجعلني من أمة أحمد وهو المراد من قوله : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ [ القصص : 44 ] وبشر بك المسيح في قوله : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ الصف : 6 ] . وأما الثاني : وهو أن يكون ذلك محمولا على التعظيم ، ففيه تنبيه على عظمة العطية لأن الواهب هو جبار السماوات والأرض والموهوب منه ، هو المشار إليه بكاف الخطاب في قوله تعالى : إِنَّا أَعْطَيْناكَ والهبة هي